الجاحظ

329

الحيوان

إذا شاء ، وإتمامه إذا شاء ، وبلوغ غايته ، والانصراف عنه إلى عقيبه من الأفعال ، ومن جهته تعرّف العلل ، ويمكنه إكراه نفسه على المقاييس والتكلّف والتأتّي . ومتى كانت الآلة موجودة فإنّها تنبيك على مكانها ، وإلّا كان وجودها كعدمها . وبالحسّ الغريزيّ تشعر صاحبها بمكانها ، لا يحتاج في ذلك إلى تلقين وإشارة ، وإلى تعليم وتأديب ، وإن كان صاحب الآلة أحمق من الحبارى « 1 » ، وأجهل من العقرب « 2 » ، والعاقل الممكّن لا يفضل في هذا المكان على الأشياء المسخّرة ، ولا ينفصل منها في هذا الباب . 353 - [ الإلهام في الحيوان ] وليس عند البهائم والسباع إلّا ما صنعت له ، ونصبت عليه ، وألهمت معرفته وكيفيّة تكلّف أسبابها والتعلّم لها من تلقاء أنفسها . فإذا أحسن العنكبوت نسج ثويّه « 3 » وهو من أعجب العجب ، لم يحسن عمل بيت الزنبور . وإذا صنع النّحل خلاياه مع عجيب القسمة التي فيها ، لم يحسن أن يعمل مثل بيت العنكبوت . والسّرفة - التي يقال : « أصنع من سرفة » « 4 » لا تحسن أن تبني مثل بيت الأرضة ، على جفاء هذا العمل وغلظه ، ودقّة ذلك العمل ولطافته . وليس كذلك العاقل وصاحب التمييز ، ومن ملك التصرّف ، وخوّل « 5 » الاستطاعة ، لأنّه يكون ليس بنجّار فيتعلّم النّجارة ، ثمّ يبدو له بعد الحذق الانتقال إلى الفلاحة . ثمّ ربّما ملها بعد أن حذقها ، وصار إلى التجارة . 354 - [ أسمح من لافظة ] وقال صاحب الكلب : وزعمت أنّ قولهم « أسمح من لافظة » « 6 » أن اللافظة الدّيك ، لأنّه يعضّ على الحبّة بطرفي منقاره . ثمّ يحذف بها قدّام الدّجاجة . وما رأينا

--> ( 1 ) المثل في المستقصى 1 / 74 ، والدرة الفاخرة 1 / 133 . ( 2 ) المثل في المستقصى 1 / 58 ، ومجمع الأمثال 1 / 189 ، وجمهرة الأمثال 1 / 334 ، والدرة الفاخرة 1 / 107 . ( 3 ) الثوي : البيت . ( 4 ) المثل في مجمع الأمثال 1 / 411 ، والمستقصى 1 / 113 ، وأمثال ابن سلام 363 ، وجمهرة الأمثال 1 / 583 . ( 5 ) خوّله الشيء : ملّكه إياه وأعطاه . ( 6 ) مجمع الأمثال 1 / 353 ، والمستقصى 1 / 171 ، وفصل المقال 494 ، وجمهرة الأمثال 1 / 531 ، والدرة الفاخرة 1 / 228 .